سيد محمد طنطاوي
51
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
إلى أن متع الدنيا مهما كثرت وتنوعت وتلذذ بها الإنسان فهي زوال ، وأما اللذائذ الباقية الخالدة فهي التي أعدها اللَّه - تعالى - لعباده المتقين في الدار الآخرة ، ولذا قال - سبحانه - بعد ذلك * ( قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ) * . أي قل يا محمد للناس الذين مالوا إلى شهوات الدنيا من النساء والبنين وغيرهما ، قل لهم ألا تحبون أن أخبركم بما هو خير من تلك المشتهيات الدنيوية ؟ والاستفهام للتقرير ، والمراد به التحقيق والتثبيت في نفوس المخاطبين ، أي تحقيق وتثبيت خيرية ما عند اللَّه وأفضليته على شهوات الدنيا ، وحضهم على الاستجابة لما سيلقى عليهم . وافتتح الكلام بكلمة * ( قُلْ ) * للاهتمام بالمقول وتنبيه السامعين إلى أن ما سيلقى عليهم أمر يهمهم ومما يقوى هذا التنبيه هنا : التعبير بقوله * ( أَأُنَبِّئُكُمْ ) * لأن الإنباء معناه الخبر العظيم الشأن ، والتعبير بقوله * ( ذلِكُمْ ) * لاشتماله على الإشارة التي للبعيد الدالة على عظم شأن ما سيخبرهم به ، والتعبير بقوله * ( بِخَيْرٍ ) * الذي يدل على الأفضلية ، لأن نعيم الآخرة خير محض ونعيم الدنيا مشوب بالشرور والاضرار . ثم بين - سبحانه - المخبر عنه بعد أن مهد له بتلك التنبيهات التي تشوق إلى سماعه وتغرى بالاستجابة له فقال : * ( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّه ) * . هذه هي اللذائذ والمتع التي أعداها اللَّه - تعالى - لمن اتقاه ، أي أدى ما أمره به ، وابتعد عما نهاه عنه . وأول هذه النعيم ، : * ( جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * أي بساتين تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، وفي هذه الجنات ما لا عين رأت ، ولا أدن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وقوله * ( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) * خبر مقدم ، وقوله * ( جَنَّاتٌ ) * مبتدأ مؤخر ، وقوله * ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * في محل نصب على الحال من جنات . وقوله * ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * صفة لجنات . وعلى هذا يكون منتهى الاستفهام عند قوله * ( مِنْ ذلِكُمْ ) * وهذا هو المشهور عند العلماء ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله * ( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) * ثم يبتدأ فيقال : عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار . ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله - تعالى - * ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * ثم يبتدأ فيقال : جنات تجرى من تحتها الأنهار . قال ابن جرير : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من جعل الاستفهام منتهيا عند قوله - تعالى - * ( بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ) * والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله : * ( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * فيكون مخرج ذلك مخرج الخير . وهو إبانة عن معنى الخير